الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ليعلم كلّ الورى أنّني * أتيت المروءة من بابها وربما قالوا : أتى بفاحشة وبمكروه كأنّه جاء مصاحبا له . وقوله : مِنْ نِسائِكُمْ بيان للموصول وصلته . والنساء اسم جمع امرأة ، وهي الأنثى من الإنسان ، وتطلق المرأة على الزوجة فلذلك يطلق النساء على الإناث مطلقا ، وعلى الزوجات خاصّة ويعرف المراد بالقرينة ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [ الحجرات : 11 ] ثم قال - وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [ الحجرات : 11 ] فقابل بالنساء القوم . والمراد الإناث كلهنّ ، وقال تعالى : فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [ النساء : 11 ] الآية المتقدّمة آنفا والمراد هنا مطلق النساء فيشمل العذارى العزبات . وضمير جمع المخاطبين في قوله : مِنْ نِسائِكُمْ والضمائر الموالية له ، عائدة إلى المسلمين على الإجمال ، ويتعيّن للقيام بما خوطبوا به من لهم أهلية القيام بذلك . فضمير نِسائِكُمْ عامّ مراد به نساء المسلمين ، وضمير فَاسْتَشْهِدُوا مخصوص بمن يهمّه الأمر من الأزواج ، وضمير فَأَمْسِكُوهُنَّ مخصوص بولاة الأمور ، لأنّ الإمساك المذكور سجن وهو حكم لا يتولّاه إلّا القضاة ، وهم الذين ينظرون في قبول الشهادة فهذه عمومها مراد به الخصوص . وهذه الآية هي الأصل في اشتراط أربعة في الشهادة على الزنى ، وقد تقرّر ذلك بآية سورة النور . ويعتبر في الشهادة الموجبة للإمساك في البيوت ما يعتبر في شهادة الزنى لإقامة الحدّ سواء . والمراد بالبيوت البيوت التي يعيّنها ولاة الأمور لذلك . وليس المراد إمساكهن في بيوتهنّ بل يخرجن من بيوتهنّ إلى بيوت أخرى إلّا إذا حوّلت بيت المسجونة إلى الوضع تحت نظر القاضي وحراسته ، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى في آية سورة الطلاق عند ذكر العدّة لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [ الطلاق : 1 ] . ومعنى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ يتقاضاهن . يقال : توفّى فلان حقّه من فلان واستوفاه حقّه . والعرب تتخيّل العمر مجزّأ . فالأيام والزمان والموت يستخلصه من صاحبه منجّما إلى أن تتوفّاه . قال طرفة :